صديق الحسيني القنوجي البخاري
530
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ أي والكفار جند للأصنام يحضرونهم في الدنيا ، قال الحسن : يمنعون منهم ، ويدفعون عنهم ، وقال قتادة : أي يغضبون لهم في الدنيا ، قال الزجاج : ينتصرون للأصنام وهي لا تستطيع نصرهم ، وقيل : المعنى يعبدون الآلهة ويقومون بها فهم لهم بمنزلة الجند ، هذه الأقوال على جعل ضمير نَصْرَهُمْ للمشركين وضمير لَهُمْ للآلهة . وقيل : وَهُمْ أي الآلهة لَهُمْ أي للمشركين جند معدون ومحضرون معهم في النار ، فلا يدفع بعضهم عن بعض ، وقيل : معناه ، وهذه الأصنام لهؤلاء الكفار جند اللّه عليهم في جهنم ، لأنهم يلعنونهم ويتبرأون منهم ، وقيل : المعنى إن الكفار يعتقدون أن الأصنام جند لهم يحضرون يوم القيامة لإعانتهم ، ثم سلى سبحانه نبيه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ الفاء لترتيب النهي على ما قبله فلا بد أن يكون عبارة عن خسرانهم وحرمانهم عما علقوا به أطماعهم الفارغة ، وانعكاس الأمر عليهم بترتيب الشر على ما رتبوه لرجاء الخير ، فإن ذلك مما يهون الخطر ، ويورث السلوة ، والنهي وإن توجه بحسب الظاهر إلى قولهم لكنه في الحقيقة متوجه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وهذا القول هو ما يفيده قوله : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً فإنهم لا بد أن يقولوا : هؤلاء آلهتنا وإنها شركاء للّه في المعبودية ، ونحو ذلك . وهو نهي للرسول صلّى اللّه عليه وسلم عن التأثر لذلك بطريق الكناية على أبلغ وجه وآكده ، وقيل : إنه نهي لهم عن الأسباب التي تحزن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وإن النهي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن التأثر لما يصدر منهم هو من باب : « لا أرينك ههنا » ، فإنه يراد به نهي من خاطبه عن الحضور لديه لا نهي نفسه عن الرؤية ، وهذا بعيد ، والأول أولى ، والكلام من باب التسلية كما ذكرنا ، ويجوز أن يكون المراد بالقول المذكور هو قولهم : إنه ساحر وشاعر ومجنون . إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ تعليل لما تقدم من النهي ، فإن علمه سبحانه بما يظهرون وما يضمرون مستلزم للمجازاة لهم بذلك ، وإن جميع ما صدر منهم لا يعزب عنه سواء كان خافيا أو باديا سرا أو جهرا مظهرا أو مضمرا ، وتقديم السر على الجهر للمبالغة في شمول علمه بجميع المعلومات ، وقرىء : إنا بالكسر وبالفتح على حذف لام التعليل وهو كثير في القرآن والشعر ، وفي كل كلام ؛ وكسرها أبو حنيفة وفتح الشافعي وكلاهما تعليل كما تقدم . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 77 إلى 83 ] أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 77 ) وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ( 79 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ( 80 ) أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ( 81 ) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 82 ) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 83 )